منع الحيض والحمل أو تأخيرهما دراسة فقهية طبية


صورة المسألة: هناك أنواع من الأساليب والطرق الحديثة تستخدمها المرأة لمنع العادة الشهرية، أو لمنع حدوث الحمل، من أنواع الأقراص المختلفة وغيرها، فما الحكم الشرعي لاستخدام هذه الأنواع من الأدوية لمنع الحيض أو الحمل أو تأخيرهما؟ هذا ما نريد أن نصل إليه في هذا البحث أن شاء الله تعالى.
تختلف الأسباب عند النساء في السبب الباعث على تأخير الحيض، أو ما يعرف بالعادة الشهرية، من امرأة إلى أخرى، ونجمل هذه الأسباب فيما يأتي:
  • اتمام الصيام مع المسلمين في شهر رمضان.
  • أداء مناسك الحج كاملة في أوقاتها.
  • امرأة تريد الزواج وتخشى من مجيء العادة أول أيام زواجها فترغب في تأخيره لأجل الزوج.
  • الاضرار بالزوج، فتريد بتأخير الحيض تطويل مدة العدة ليزداد على زوجها نفقتها إذا كانت معتدة منه على وجه تجب عليه نفقتها.

الأضرار الناتجة عن منع الحيض

لا شك أن كل شيء طبيعي – كالحيض – يمنعه الإنسان عن طبيعته لا يخلو من أضرار على الجسم البشري بشكل أو بآخر، ولكنها قد تختلف باختلاف النساء، ويمكن أن نجمل الأضرار الناتجة عن استعمال ما يمنع الحيض فيما يأتي:
  • أنه يخالف الفطرة التي فطر الناس عليها، لأن خروج دم الحيض خروج طبيعي كتبه الله على بنات آدم، فلابد للمرأة أن تصبر على ذلك وتحتسب، ولا تحاول إيقافه.
  • أنه يخلط على المرأة عادتها فتختلف عليها، حينئذ تبقى في قلق وشك من صلاتها ومن مباشرة زوجها وغيرها.
  • أنه سبب لتقرح الرحم.
  • أنه سبب لتغير الدم واضطرابه.
  • إنه سبب لتشوه الأجنة في المستقبل.
  • إنه سبب في وجود العقم للمرأة التي لم تتزوج(1).
وبهذه المناسبة أنقل كلام الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – لأنه في غاية المناسبة، حيث قال: "وبهذه المناسبة أحذر النساء تحذيرا بالغا من استعمال هذه الحبوب المانعة من الحيض، لأن هذه الحبوب – كما تقرر عندي من أطباء سألتهم، كلهم مجمعون على أن هذه الحبوب ضارة، وقد كتب لي بعضهم عدد المضار التي فيها فكتب لي أربع عشرة مضرة...."(2).

الحكم الشرعي في ذلك، ون قل فتاوى علماء العصر

روي عن الإمام أحمد – رحمه الله – أنه قال: "لا بأس أن تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض إذا كان دواء معروفا"(3).
وقد ورد عن الإمام مالك – رحمه الله – أنه منع أن تتناول المرأة دواء لقطع الحيض.
لكن فسر ابن رشد – رحمه الله – قوله هذا بما إذا كان يلحق المرأة ضرر من ذلك(4).
وعليه فيتفق قوله مع قول الإمام أحمد.
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في حكم استعمال حبوب منع الحيض: "استعمال ما يمنع الحمل جائز بشرطين: الأول: ألا يخشى الضرر عليها، فإن خشي الضرر عليها من ذلك فلا يجوز: لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة) (البقرة: 195) وقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: 29).
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج إن كان له تعلق به، مثل أن تكون معتدة منه وتجب عليه نفقتها، فتستعمل ما يمنع الحيض لتطول المدة وتزداد عليه نفقتها، فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه"(5).
ومن فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في منع العادة الشهرية أو تأخيرها: "يجوز وقت الحج خوفا من العادة بعد استشارة طبيب مختص على سلامة المرأة، وهكذا في رمضان إذا أحبت الصوم مع الناس"(6).
وبناء على ما تقدم ذكره يجوز للمرأة تأخير العادة الشهرية بأخذ الحبوب الخاصة بذلك بثلاثة شروط:
  1. عدم لحوق الضرر بها.
  2. وأن يكون بعد استشارة الطبيب المختص.
  3. ولا يكون ذلك إلا بإذن الزوج.

مشروعية الزواج والإكثار من النسل

جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، تدل على مشروعية النكاح، والإكثار من النسل، والترغيب فيه.
فمنع الحمل أو تأخيره مخالف لهذا الأصل.

العزل وخلاف الفقهاء فيه مع الأدلة والترجيح

العزل هو: أن يجامع زوجته وينزع عند الإنزال، فينزل خارج الفرج.
وقد اختلف العلماء في حكمه فمنهم من أباحه مطلقا، ومنهم من حرمه مطلقا، ومنهم من فرق بين الحرة والأمة، ومنهم من فرق بين الإذن وعدمه. ويمكن أن نجمل الخلاف فيه في قولين:
القول الأول: قول جمهور العلماء – ومنهم الأئمة الأربعة – أن له أن يعزل عن زوجته الحرة بإذنها. وعن أمته بإذنها أو بدون إذنها (أي أن العزل رخصة).
أدلتهم:
  1. حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل".
  2. وفي صحيح مسلم عنه "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا".
القول الثاني: أنه لا يجوز العزل. وهو قول ابن حزم، ووجه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة. دليلهم:
ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس فسألوه عن العزل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك الوأد الخفي".
قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة فإنه ناقل عن الأصل.
والذي يترجح – والعلم عند الله تعالى – هو القول بإباحة العزل لصحة الأحاديث الكثيرة في ذلك وصراحتها.
وأجيب عن حديث جدامة بأنه محمول على التنزيه.
وأما دعوى أنه ناسخ لأحاديث الإباحة فتحتاج إلى دليل(7).

الأسباب الداعية لمنع الحمل أو تأخيره

يمكن تقسيم الأسباب الداعية لمنع الحمل أو تأخيره إلى قسمين:
القسم الأول: دواعي وأسباب منكرة منافية للشرع، اعتمد عليها أعداء الإسلام دعاة تحديد النسل، ومن أبرزها:
  • خشية أن تضيق الأرض بالسكان إذا لم يحدد النسل!.
  • خشية أن تضيق بهم وسائل العيش من كثرتهم!.
  • صيانة الأسرة مما يهددها من خطر كثرة الأولاد!.
  • أن منع الحمل أو تحديد النسل يحفظ للمرأة صحتها وجمالها!.
فهذه – وأمثالها – شبه أوهى من بيت العنكبوت من أعداء الاسلام الذين يدعون إلى تحديد النسل (وهي دعوة يهودية خبيثة) وهي لا تصلح مبررا له، بل هي غير صحيحة لمناقضتها الواقع ومنافاتها لمقتضى الفطرة والإسلام(8).
القسم الثاني: دواعي أخرى تقع قليلا أو نادرا فيحكم فيها بما يناسبها من الأحكام، ومنها:
  • أن يكون بالمرأة ما تتعذر معه الولادة العادية فيخرج الولد بإجراء عملية جراحية، وربما كان في ذلك خطورة على الأم – كما إذا تكرر ذلك – وقضاء على حياتها.
  • أن تكون المرأة كثيرة الحمل، والحمل يرهقها فتحب أن تنظم حملها، ويقرر أهل الخبرة إن كان عليها من تتابعه خطورة.
  • ظن الرجل أن وطء أمرأته وهي ترضع يضر بالولد، فيمتنع من ذلك محافظة على صحة الرضيع وحرصا على سلامته(9).
  • التأثر بعوامل خارجية، كأن تكون الدولة تفرض على الشعب تحديد النسل.

الأضرار الناتجة عن استعمال ما يمنع الحمل أو يؤخره

إن لاستعمال ما يمنع الحمل أو يؤخره مضارا كثيرة دينية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية وجسمية، ونفسية.

وسائل المنع الدائم والمؤقت للحمل

أولا: وسائل المنع الدائم للحمل:
  • تعقيم الزوجة بربط عنق رحم المرأة.
  • قلب الرحم.
  • استئصال الرحم.
  • تعقيم الرجل بقطع الحبل المنوي.
  • الاختصاء بالنسبة للرجل
ثانيا: وسائل المنع المؤقت للحمل:
وهي تنقسم إلى قسمين:
أ- وسائل منع الحمل المؤقتة الطبيعية، ومن أبرزها:
- العزل.
- الجماع بدون الفرج (المفاخذة).
- الرضاعة.
- الامتناع عن غشيان الزوجة فترة من الزمن(10).
ب- الوسائل الحديثة المؤقتة لمنع الحمل، وهي كثيرة، ومن أهمها:
- الرفال (الواقي الذكري، الكبوت، القراب).
- الحاجز المهبلي (القبعة الهولندية) وهو عبارة عن حاجز مطاطي بحلقة معدنية سميكة تضعها المرأة في عنق الرحم قبل الجماع.
- أسفنجة المهبل: وهي أسفنجة مبللة بالخل أو مادة طبية خاصة تضعها المرأة في المهبل قبل الجماع، وذلك لقتل الحيوانات المهبلية.
- كريمات أو مراهم مهبلية لقتل الحيوانات المنوية.
- أقراص أو تحاميل مهبلية توضع كذلك داخل الرحم لقتل الحيوانات المنوية.
- اللولب، وهو عبارة عن شريط من البلاستيك مصنوع من مادة غير ضارة للجسم توضع داخل الرحم، وظيفته منع وصول الحيوانات المنوية إلى قناة الرحم، أو تقليل قدرتها على التلقيح(11).

حكم المنع الدائم للحمل

قد دلت الشريعة الإسلامية بعمومها على تحريم الاختصاء أو ما في معناه، وبالتالي تحريم منع الحمل الدائم، ومما يدل على ذلك:
قوله تعالى: (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: 119).
حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل" ولو أذن لاختصينا".
كما أن في المنع الدائم للحمل مصادمة لمقصد من مقاصد الشريعة، وهو تكثير النسل.
إضافة إلى قياس التعقيم الدائم على الوأد، بجامع أن كلا منهما مؤد إلى قطع النسل.
فالأصل فيه الحرمة إلا إذا دعت إليه ضرورة، مثل خوف ضرر يلحق بالمرأة من جراء الحمل فلا بأس حينئذ – مع مراعاة شروطها – كما أفتى علماء العصر بذلك.

نقل بعض فتاوى علماء العصر في ذلك

قد اتفقت فتاوى علماء العصر على تحريم المنع الدائم للحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق، وأفتوا بجوازه في حالات فردية خاصة لوجود ضرر محقق على الزوجة، وفيما يلي بعض نماذج منها:
  • قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي انه: "يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة، وهو ما يعرف بالإعقام أو التعقيم ما لم يدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية"(12).
  • صدر قرار لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في منع الحمل ما نصه:
"لا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق، أما إذا كان لضرورة محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره عملا بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة – رضوان الله عليهم – من جواز العزل، وتمشيا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة"(13).

حكم تأخير الحمل( منع الحمل المؤقت)

هذه المسألة مبنية على مسألة حكم العزل السابقة، وقد علمنا أن قول جمهور العلماء على جوازه، فيكون الحكم هنا الجواز – مع مراعاة الشروط والضوابط التي ذكرها العلماء – إلا أن يلحق بالمرأة ضرر من جراء استخدام هذه الحبوب فلا يجوز حينئذ.
وقد قرر فيه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما يلي: "يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض. بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها اعتداء على حمل قائم(14).
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله: "الثاني: أن يمنعه "أي الحمل" منعا مؤقتا مثل أن تكون المرأة كثيرة الحمل، والحمل يرهقها فتحب أن تنظم حملها كل سنتين أو نحو ذلك، فهذا جائز بشرط أن يأذن به زوجها، وألا يكون به ضرر عليها.
ودليله: أن الصحابة كانوا يعزلون عن نسائهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ألا تحمل نساؤهم، فلم ينهوا عن ذلك"(15).

 

الهوامش

  1. انظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (11/282-283).
  2. مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (11/282-283).
  3. انظر: المغنى (1/450).
  4. انظر: البيان والتحصيل (3/460).
  5. الدماء الطبيعية للنساء، للشيخ ابن عثيمين ص(331).
  6. الأحكام والفتاوى الشرعية لكثير من المسائل الطبية، للرميخان ص(109).
  7. انظر: المرجع السابق: وأبحاث هيئة كبار العلماء (2/433-437).
  8. انظر: مناقشة هذه الشبه والرد عليها مفصلا في: أبحاث هيئة كبار العلماء (2/423-431).
  9. انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (2/431-432).
  10. انظر: الطبيب أدبه وفقهه ص (279).
  11. انظر: الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص (128-129).
  12. مجلة مجمع الفقه الإسلامي (1/748)، وانظر أيضا: الطبيب أدبه وفقهه ص (308).
  13. مجلة البحوث الإسلامية (30/291-292)، وتوقف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء. ولمجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قرار مماثل لقرار هيئة كبار العلماء المذكور، انظر: مجلة البحوث الإسلامية (30/286).
  14. انظر: مجلة البحوث الإسلامية (30/287).
  15. الدماء الطبيعية للنساء ص (332).

إرسال تعليق

0 تعليقات